الرئيسية / الاخبار / السيـميولوجيــا في المســرح

السيـميولوجيــا في المســرح

تعد السيميولوجيا أكثر مناهج التحليل وأكثرها إجرائية وانتظاماً في ذهن (المشاهد والقارئ) للمسرح كون التواصل بشكل فاعل مع أي عرض مسرحي ومفرداته لا يتم بعيداً عن القدرة على فهم العلامات وما تحيل إليه لأنه معلوم بالضرورة أن المسرح في مجمله رسالة اتصالية تقوم على لعبة تحليل الإشارات.

ورغم أكاديمية (السيميولوجيا) أو ما يعرف بـ(السيميائية) وما يمثله كحقل علمي ومنهجي إلا أنه من أمتع المنهجيات،

فالسيميولوجيا حالة معاشة وتتمظهر لدى أي مشاهد وقارئ مهما كان مستواه المعرفي والعلمي في شكل لعبة تجمع بينه كمتابع وبين (النص / العرض)،

هذه اللعبة تستلزم الزج بالمتلقي في أتون الدلالة والتفسير لما (يقرأ / يشاهد) بكل ما تهبه هذه اللعبة لنا – مع الوقت – من اهتمام تأويلي يفضي إلى لذة الاكتشاف ورحابة التأويل.

ما يزيد الحالة إمتاعاً هو حتمية الحضور لهذه النظرية وسلاسة انتقالها من حقلها العلمي الصرف إلى ذهن كل فرد منا لحظة (القراءة / المشاهدة) وبالتالي خلق الخبرة الفردية وصولاً إلى معاني جمالية التلقي.

ويظل المسرح الحقل الأكثر اهتماماً بالمتلقي فالتاريخ يحفظ موقفاً مهيبا للمسرح أكد فيه على أهمية المتلقي ودوره في الفعل المسرحي، حدث في مسرحية (أوديب ملكا) للشاعر الفحل سوفوكل – التي يعتبرها الكثيرون من أعظم ما تركه لنا اليونان من آثار مسرحية – إلا أنها لم تنل شرف الفوز في مسابقات أعياد (ديونيزوس) وذلك لأن الجمهور رشح مسرحية أخرى (لفيلوكس) ومارس سلطته التي آمنت بها (الديموقراطية الأثينية).

أعود للسيميولوجيا في المسرح وكيف أنها تحضر في كل (قراءة / مشاهدة) حين تتحرك العلامات السيمولوجية أمامنا كصوت دال بتواطؤ – بتعبير الإمام الغزالي – وهذا ما يجعل أمر تكثيف الدراسة لهذا المنهج أولوية منذ الصغر كضرورة لخلق حالة فكرية تتجاوز الأدب وجماليته وفهمه والاستمتاع به وقراءته إلى التعرض لخبراته العريضة، فالمسرح وسيط ثقافي مهم وملهم يعين على فهم الحياة والمعرفة الواعية بالسيمولوجيا من خلال المسرح تهب الفرد قدرات عقلية وتفكيراً ناقداً تبعاً لكثافة الدلالة في هذا الحقل فهو أكثر الحقول قدرة على تدريب العقل على المهارات المتعددة تبدأ من لحظة التفاعل مع ما يحدث فوق خشبة المسرح أو النص المكتوب بتفكيكه وتأويل معانيه، وقراءة ما خلف كلماته وحواراته وإعادة تركيبه حتى أنه لو اقتصرت غاية التلقي على تفكيك العلامات الغزيرة والمتعددة والكثيفة التي تنتجها العلامة المسرحية في كل عرض لكانت كافية لخلق عقلية قادرة على الفهم والتأويل وبالتالي التماس مع الحياة بوعي والتعاطي معها من منظور جمالي قبل أن تتحول إلى أداة لفهم الكون لأن ما أودعه كتاب المسرح في ثنايا نصوصهم من رمزيات وعلامات ودلالات تتجاوز جمالية الأدب إلى كونها أسلوب حياة ومناهج تفكير ومفتاح للقبض على المعاني الكبرى، وأدوات حفر تقود نحو التأمل الفكري في الوجود والقيم العليا والأسئلة المصيرية ومعيناً يجعلنا نفهم الحياة فضلاً عن متعته حيث المسرح هو الحياة لا تزال الأجيال تنهل من فيضه الغزيز وتستلهم عبارات خالدة ألقيت فوق خشبته ولطالما كانت عباراته المدد والعون.

ففي كل لحظة انعتاق وتحرر نستلهم شخصية نورا في بيت الدمية وهي تردد: (سوف أخلع عني ثوب الدمية)،

وفي كل موقف استبدادي وفي لحظات البؤس والقهر يحضر (فيل) سعدالله ونوس في مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) وغنم (محمد العثيم) في مسرحية (غنم) وطاحونة ملحة عبدالله الضخمة و(جثة) فهد الحارثي كعلامات درامية بعضها يمثل شخصية (غائبة / حاضرة)؛ غاب وجودها المادي فرق الخشبة لكن حضر تأثيرها الدرامي كرموز للقهر أحياناً وللخنوع والاستسلام أحيان آخرى.

ولغزارة العلامات وتعدد الدلالات في المسرح معاني التعدد الفكري والقدرة الفائقة على بناء عقلية تركيبية تبدأ من فهم بسيط لدلالات (اللون) في حالاته المتعددة، فالأبيض لون السلام ولكنه في الكفن رمز الموت وأحياناً يحيلنا لمعاني الطهارة.

والمسرح يبني العقل التركيبي انطلاقاً من فهم العلامة والسيمولوجيا وسياقاتها.

فالوردة المغلّفة في حفل الزواج تعني التهنئة لكن وضع ذات الوردة أمام جنازة يحيل إلى سياق آخر مضاد (التعزية).

والصليب رمز ديني يشير للمسيحية فيما الهلال يشير للإسلام لكن دمجهما يشير للوحدة الوطنية.

وهكذا تتعدد العلامات فالليل الهادئ علامة تحيلنا إلى العشق أما الظلام الدامس فهو بيئة تناسب فعل الغدر فيما الفجر أمل وولادة وحتى كثرة الاستفهام فوق الخشبة أو داخل النص هي علامة ورمزية تحيل إلى التخبط فيما نغم الصوت له دلالته وتعابير الجسد فوق الخشبة أو في ثنايا النصوص تشكل علامات تحتاج تفسيراً وكذلك تكرار العبارات.

فتكرار مقولة ماك (لا مناص) مثلاً هذا يعني اليأس وتكرار عبارة (طوع أمرك) تعني الانقياد وهكذا تتوالد الدلالات في متوالية لانهائية من ثنايا النصوص والمشاهد المسرحية لتخلق حالة دائمة من البحث والشغف والغواية والمتعة المرتبطة بمفهوم سيمولوجيا المسرح.

شاهد أيضاً

الصحة: تسجيل “1063” حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا

أعلنت وزارة الصحة، اليوم (الإثنين) تسجيل 1063 حالة إصابة جديدة مؤكدة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *