الرئيسية / محبرة / ادب / إبراهيم الـتركي: المكتبة الورقية أبقى وأجدى من الإلكترونية

إبراهيم الـتركي: المكتبة الورقية أبقى وأجدى من الإلكترونية

أولُ كتاب قرأتُه في الصف الخامس الابتدائي قصة «المدينة المسحورة»

للمكتبات مع أصحابها قصصٌ ومواقف وأيضاً طرائف وأشجان تستحق أن تروى، «الرياض» تزور مكتبات مجموعة من المثقفين، تستحث ذاكرة البدايات، وتتبع شغف جمع أثمن الممتلكات، ومراحل تكوين المكتبات.. في هذا الحوار الكُتبي نستضيف الدكتور إبراهيم بن عبدالرحمن التركي، مدير التحرير للشؤون الثقافية في صحيفة «الجزيرة» والذي تضم مكتبته كتب الفكر والإدارة وسير الأَعلام ودراسات التقنية والعولمة والتربية.

كذلك الكتب القديمة والنادرة من طبعاتٍ أولى من بعض الكتب القيّمة كالطبعة الأولى لكتابي: «النثر الفني في القرن الرابع» للدكتور زكي مبارك، و»الأمثال العامية في نجد» للشيخ محمد العبودي، و»الهفوات النادرة» لأبي الحسن الصابي، ونحوها، كما تضمن سلسلة من كتب بعض الأعلام الكبار في تراثنا عن النحو والتأريخ والحديث كالأئمة الشافعي والبخاري وسيبويه.

بيعُ الكتبِ المهداة نكرانٌ للجميل

كما تضم أعدادا من صحيفة «الجزيرة» ومجلات: العرب والمنهل ومجموعة الإشعاع السعودية، ومجلة العربي الكويتية، وفصول المصرية، ومجلة «الكتب وجهات نظر» التي تضم المكتبة جميع مجلداتها من لدن صدورها عام 1999م حتى توقفها عام 2011م.

  • في أي مرحلة تعرفتَ على الكتاب؟
    • ولدتُ ونشأتُ في بيتٍ قارئٍ، ربُّه طالبُ علمٍ ومعلمٌ في الوقت نفسه؛ فقد كان الوالد – عليه رحمة الله 1352-1441هـ – منتسبًا يكمل دراسته الثانوية فالجامعية ويُدرّسُ في المدرسة الفيصلية بعد عودته من جدة واستقراره في عنيزة، وكان معنيًا بالقراءة فرأيت في بيتنا مكتبةً متنوعةً فيها: كتب التراث واللغة والأدب والشعر والروايات والصحف والمجلات وسواها، وهو ما جعلني آلفُ مرأى الكتب وأعرفُ عناوينَها منذ وقت مبكر في حياتي، لكنها كانت أعلى من قامتي فلم أجرؤْ على قراءتها، ولو فعلت لما فهمت.

لديّ كتاب: «ابتلاء الأخيار بالنساء الأشرار» يلفتُ عنوانُه أكثرَ من مادته

  • ما أولُ كتابٍ قرأتَه؟
  • أولُ كتاب قرأتُه في الصف الخامس الابتدائي حيث استعرتُ من مكتبة المدرسة قصة «المدينة المسحورة» فدُهشت منها وأُعجبت بها، وتشبه في مضمونها أسطورة الملك ميداس، أو لعلها منقولة عنها مع تحويلها من الفرد للمجموع؛ حيث يتحول كل شيءٍ يمسُّه الشخص إلى ذهب، والمفارقة أننا انتقلنا في منتصف دراستي بالصف الخامس إلى «حائل» إثر تخرج الوالد في كلية اللغة العربية، وسجلتُ في المدرسة العزيزية هناك، وذهبت لمكتبة المدرسة رغبةً في استعارة القصة نفسِها، وخاب ظني حين لم أجدْها لديهم.

الكتابة الطريفة مرتقىً صعبٌ لا يجيده إلا قلة

  • هل تستطيع تحديد بدايات تأسيس مكتبتك المنزلية؟
  • لعلها ابتدأت من الصف الأول المتوسط؛ حيث كانت جوائزُنا للتفوق وللنشاط مختاراتٍ من الكتب الذائعة وقتها، ومعظمها أدبية، وكذا جوائزنا في المركز الصيفي لرعاية الشباب الذي يُعقد كل صيف، ومدته خمسون يومًا، فتكونت لديّ – على مدى سنوات – حصيلةٌ طيبة صارت نواةَ مكتبة صغيرة معقولة احتفظتُ بأكثرها ضمن مكتبة الوالد – عليه رحمة الله – ولم أرغب باستقلالها عنها، وما تزال تسكنُ عنيزة داخل المكتبة الأكبر، والعناية بها فائقة فالوالدة – حفظها الله – مهتمة بها جدًا وحريصة على بقائها ونموها كما كانت في حياة الوالد رحمه الله، ومفتاحُها وخدماتها تحت إشرافها المباشر.
  • ماذا عن معارض الكتب ودورها في إثراء مكتبتك؟

بمباشرة ووضوح؛ ففيما عدا معرض الرياض لم أقصد معرضًا معينًا أو أخصه بسفر، مع أني زرت معارض «القاهرة وأبو ظبي وبيروت والدار البيضاء»، وكانت زياراتٍ مرتبطةً بعمل، كالمشاركة في برنامج ثقافي ونحوه، وبالتأكيد فقد استزدت منها ببعض ما تضمه مكتبتي، وإن لم يكن كثيرًا، أما معرض الرياض فله نصيبٌ جيد في محتويات المكتبة.

  • ما أبرز المنعطفات التي رافقت نمو مكتبتك الشخصية؟

لعل المنعطف الأهم توفير موقع لها بعد أن استقر بي المقام في منزل خاص، ولما نمت أكثر أوجدتُ مكتبة إضافية في فناء البيت تسند المكتبة الموجودة ضمن القسم الذي أشغله بحيث صار لديّ مكتبتان منزليتان معقولتا الحجم، وأتمنى أن يكون المنعطف القادم لم شتاتهما في مكتبةٍ واحدةٍ فلعل الأجل – إن فسح الله فيه – يحققُ هذا التطلع.

  • هل تحتفظ في مكتبتك بمخطوطات؟
  • مع الأسف: لا، وسآسفُ أكثر لأنني لا أُجيد قراءة المخطوطات، ولا أجد متعةً في اقتنائها أو قراءتها، ومردُّ هذا إلى طبيعة تخصصي وعملي البعيد عن مجالها.
  • ماذا عن نصيب الكتب القديمة والنادرة؟
  • سيتكرر أسفي فما لديّ منها محدود لا يتجاوز طبعاتٍ أولى من بعض الكتب القيّمة القديمة نسبيًا كالطبعة الأولى لكتابي: (النثر الفني في القرن الرابع) للدكتور زكي مبارك، و»الأمثال العامية في نجد» للشيخ محمد العبودي، و»الهفوات النادرة» لأبي الحسن الصابي، ونحوها، والمشكلة أنني لو وجدت طبعتين قديمةً وحديثة لكتابٍ ما فسأصطفي الحديثة.
  • هل لديك شيء من الصحف والمجلات القديمة؟
  • لديَّ أعدادٌ من صحيفة «الجزيرة» بحكم ارتباط عملي بها، كما لدي أعداد من مجلات: العرب والمنهل ومجموعة الإشعاع السعودية، ومجلة العربي الكويتية، وفصول المصرية، ولا تكاد تذكر في محتويات المكتبة المعنية بالكتب تأسيسًا، لكن مجلة «الكتب وجهات نظر» هي الأهم في مكتبتي، وأحتفظ بجميع مجلداتها من لدن صدورها عام 1999م حتى توقفها عام 2011م.
  • هل يوجد في مكتبتك كتب بتوقيع مؤلفيها؟
  • نعم، يوجد الكثير منها، ومن يُهدي إليَّ كتابًا موقعًا فإنني حريص على الاحتفاظ به ولو لم يعنني موضوعُه؛ فأقلُّ حقّ المهدِي تقديرُ هديته، ولو أعدتُ ترتيب مكتبتي وتصفيتها فلن أفرط في كتاب أمضاه صاحبه بخطه وخصّني به، وأتألمُ حين يتناقل الكُتْبيون أخبار كتبٍ اشتروها من محلات الكتب المستعملة، وفيها تواقيع ذويها، وأعدُّ هذا نكران جميل.
  • ما أطرف العناوين الموجودة في المكتبة؟
  • حرصت قبل أعوام على اقتناء سلسلة من الكتب تتحدث عن جناية بعض الأعلام الكبار في تراثنا عن النحو والتأريخ والحديث كالأئمة الشافعي والبخاري وسيبويه، ولم أندم على شرائها بالرغم من تهافت محتواها فقد بقيت لديَّ من باب الطرافة أماثيلَ على «جناية العناوين»، ولديّ من كتب التراث بعضُ ما يلفتُ عنوانُه أكثرَ من مادته مثل: «ابتلاء الأخيار بالنساء الأشرار» لابن القطعة، و»فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب» لابن المرزبان، وبدا أن أزمنة الإثارة ممتدة، وليست وليدة زمننا، وتشبه عناوين بعض صفحاتنا وصحفيينا، وأن في متقدمينا كما متأخرينا من هدفُهم تسويقُ بضائعهم.
  • هل طرافة الكتاب أو طرافة موضوعه من معايير النفاسة؟
  • أبدًا؛ فالكتاب يحمل قيمتَه في داخله وعبر منهجه وليس في عنوانه ولا إثارته، ولا أشك أن الكتابة الطريفة مرتقىً صعبٌ لا يجيده إلا قلة.
  • ما أطرف المواقف التي حصلت لك في البحث عن الكتب؟

لعل أبرزها عثوري على كتبٍ أبتغيها في غير مظانها؛ فبائعو الكتب عند جامع الإمام تركي بن عبدالله يعرضون كنوزًا لا يدرون عنها، وقد اشتريتُ منها بعض عناوين نادرة، وفي مكتبة منزوية في الحي اللاتيني بباريس حصلت على طبعات نادرة لبعض كتب الشيخ عبدالله القصيمي، ومثل هذا يتكرر في أماكن مختلفة كسور الأزبكية في مصر، وتركات بعض المتوَفَين.

  • ما أبرز الكتب التي تحرص على قراءتها؟
  • في المقام الأول الكتب الفكرية التي تتناول قضايا العقل والنقل والإيمان والفلسفة والحداثة والعولمة برؤىً مختلفة، ولكتب الإدارة والتقنية والتربية والأدب أهميتها لديّ، مثلما لا أستغني عن الكتب التراثية المرجعية في العلوم المختلفة كالتفسير والنحو والتأريخ والفقه وأصوله والحديث ومصطلحه.
  • هل يستفيد أبناؤك من مكتبتك في إعداد بحوثهم؟
  • بصورة محدودة في بحوثهم فقد تنوعت مشاربهم في تخصصاتهم الدراسية بين المحاسبة وإدارة الأعمال والمالية ونظم المعلومات، لكنهم يرجعون إليها في أبواب الثقافة العامة، وهو الأهم عندي، وأثق أنهم مؤتمنون عليها بعدي.
  • ماذا تفضل المكتبة الورقية أم الرقمية، ولماذا؟
  • يبدو لي أن المكتبة الرقمية ملك الجميع، ولا أحد سيباهِي بممتلكاته أو موجوداته منها فهي متاحة للجميع، ولا تحتاج إلى أرشفة أو حفظ حيث تكفلت بها وسائط التقنية، أما الورقية فهي المكتبة، والظن أنها الأبقى والأجدى، علمًا أنني أقرأُ بالأسلوبين، كما أني أتحتُ مؤلفاتي الستة عشر للقراءة والتحميل المجاني عبر موقعي الخاص.
  • هل مكتبتك متخصصة أم متنوعة؟
  • متنوعة، وإن غلبت عليها كتب الفكر والإدارة وسير الأَعلام ودراسات التقنية والعولمة والتربية.
  • ما رسالتك التي توجهها لمن يمتلك مكتبة خاصة؟
  • أتمنى ألا يفرّطَ أحدٌ بمكتبته الخاصة إلا عبر إهدائها لمؤسسة علمية أو ثقافية يثق أنهم سيعتنون بها ويقدرون الجهود المبذولة في جمعها ويتيحونها للدارسين والباحثين والشادين.
  • كلمة أخيرة؟
  • لك الشكر أخي العزيز الأستاذ بكر هذال؛ فقد أعدتني ثلث قرن حيث ابتدأت عملي الثقافي الصحفي بإعداد صفحة أسبوعية حملت ترويستُها عنوان: قراءة في مكتبة، واستمرت عامًا كاملًا بعهدتي (1985م) واستضفت فيها كبار الكبار كالرموز: حمد الجاسر وعبدالله بن خميس وعبدالله بن إدريس وأبي عبدالرحمن ابن عقيل، وأكثر من أربعين شخصية ثقافية أخرى من الرياض وخارجها؛ وأخيرًا أدعو الله لمكتباتنا الخاصة بألا تضيع أو تُضاع، ولناشئتنا بأن يعُوا أن القراءة – بكل أنماطها التقليدية والرقمية وعبر الوسائط الحيوية – سبيلُهم للتميز وسط مظاهر التسطيح الذي عمَّ فأصم.

وفقاً لـ”الرياض”

 

شاهد أيضاً

قابـــل للسـقوط

أنت قابل للسقوط، نعم هذه حقيقة وليست شتيمة، أنت لست جمادا، أنت مجموعة مشاعر تنبض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *