الرئيسية / محبرة / ادب / صرخة بعمق الفقد

صرخة بعمق الفقد

يا للبحر.. رغم اتساعه.. ينداح صدره الفضفاض زافراً بحرقة كلما يجول بعمقه، فتطوح أمواجه شذراً منها على السواحل الرميلة، التي تصبح قاعاً صفصفاً بفعل صفعاتِ الأمواج المتتالية عليها!.. مترقباً أيديَ رؤوم علّها تلتقط شيئاً مما لفظ، أو تعيدها أمواجه لكبتها في أعماقه!.

غريب هذا البحر الكبير.. لم يحتملها على الرغم من تضاؤل حجمها، قاعه مليء بما هو أشد ثقلاً منها، وقليل هم من سبروا أغواره ونزعوا شيئاً مما يثقله!.. في المقابل كثر أولئك الذين يرمون بثقل آهاتهم في أحضانه المشرعة.. كثر، وهل شعر أحدهم بالحبر؟!.

ذاك البحر بأكمله تتلاطم أمواجه في داخلي!.. منذ أن أمسكت بقلمي لا أعلم بالتحديد ما الذي أريد أن أقدمه بالفعل؟!.. أهو كتابٌ يزيد عدد الكتب في العالم؟!.. أم هو عبءٌ كلّ به قلبي لتحمله أوراقي وأرفف المكتبات عني؟!.. إلا أنني أدرك أن ثمة بشراً قد عبوا من الحياة أصناف بؤسها وشقائها ولا يجدر بهم أن يمروا بها مرور الكرام.. هكذا قلت.. أو لأجل هذا كتبت، فمن الصعب أن تعايش نهاياتٍ بائسة دون أن تتكهن كيف كانت البدايات.

بعض الحكايات نحن من يكتبها.. وبعضها الآخر هي من تكتبنا، والفقد الذي يلازمني منذ أمدٍ هو ما حضني على الكتابة التي ألفت كثيراً احتضانها بلهفةٍ باهظة الحزن. أترانا ألفنا الحرمان حتى لكأنه جزء لا يتجزأ من يومنا؟!.. أم ترانا نحاول نسيانه بشيءٍ من اللامبالاة، ظناً منا أن تجاهلنا لفقدٍ.. سيمحوه؟!.

إنني أكاد أجزم أن لا أحد يفقد شيئاً ما يستطيع أن ينساه وإن مرت عليه سنونَ عجاف، وفقد الصغار يكبر معهم كلما كبروا.. ينمو كلما سقوه أنيناً وتأوهاً، وربما الصغير قد يفشي سر تأوه.. “أريد لعبة.. أريد ثوباً.. أريد أمّاً وأباً” حينها قد يجد من يمنحه ما يرده ولو مؤقتاً، وغذا ما كبر فإن خوفه من.. “كبر.. وما زال يبكي كالصغار” يجبره على أن يبكي وحده وبصمتٍ مكبوتٍ فلا يشعر به إلا ذوو المشاعر الحاذقة.

هو ذا دافعي لأن أمسك القلم وأكتب.. “صرخة بعمق الفقد واتساعه” علها تسمع من بقلبه صمم، مفادها.. قد تألمت منذ الصغر.. من منكم أحس بي؟!.. أعواماً من الحرمان، وتوقاً لنحر الفقد، هل من أحدٍ أدرك ذلك عني ولو سهواً؟!.. لم أريد عطفاً يزيد أوجاعي.. لا، فقط أريد التماس العذر لضجري، وحزني وانفعالي، وهل هذا كثير؟!.

  • الروائية – حصة الحربي وفقاً لـ”الرياض”

شاهد أيضاً

قابـــل للسـقوط

أنت قابل للسقوط، نعم هذه حقيقة وليست شتيمة، أنت لست جمادا، أنت مجموعة مشاعر تنبض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *